الحكيم الترمذي

510

ختم الأولياء

52 ) ابن تيمية : ( الفناء المذموم والفناء المحمود ) « وآخر ما انتهى اليه العارفون في تسليكه هو « الفناء عما سوى الحق » الذي اثبته ، والبقاء به . وهذا لو كان سالكه يؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ويفعل ما أمر اللّه به وينتهي عما نهى اللّه عنه فيسلك سلوك اتباع الرسل - لكانت هذه الغاية سلوكا ناقصا عند أئمة العارفين . فان الفناء الذي اثبته ( - ابن سينا في الإشارات ) انما « هو الفناء عن شهود السوى » ، وكذلك من اتبعه مثل ابن الطفيل المغربي ، صاحب رسالة « حيّ بن يقظان » وأمثاله . وهذا « فناء عن ذكر السوى وشهوده وخطوره بالقلب » . وهذا حال ناقص يعرض لبعض السالكين ، ليس هو الغاية ولا شرطا في الغاية . « بل الغاية : الفناء عن عبادة السوي . وهو حال إبراهيم ومحمد الخليلين ، صلى اللّه عليهما وسلم تسليما ! . . . وحقيقة هذا الفناء هو تحقيق الحنيفية ، وهو اخلاص الدين للّه . وهو ان يفنى بعبادة اللّه عن عبادة ما سواه ، وبمحبته عن محبة ما سواه ، وبطاعته عن طاعة ما سواه ، وبخشيته عن خشية ما سواه . وبالحب فيه والبغض فيه عن الحب فيما سواه والبغض فيه . فلا يكون لمخلوق من المخلوقين - لا لنفسه ولا لغير نفسه - على قلبه شركة مع اللّه تعالى ! . . . « واما مجرد شهوده الحق من غير فعل ما يحبه ويرضاه ، فهذا ليس بايمان ينجي من عذاب اللّه ، فضلا عن أن يكون هذا غاية العارفين . « ثم الذي لا يشهد السوى مطلقا ، ان شهده عين السوى : فهذا قول الملاحدة القائلين بوحدة الوجود . وان كان ذلك لغيبته وإعراضه عن شهود السوى ، فمن شهد ما سواه مخلوقا له - آية له - وشهد ما فيه من آياته كان أكمل ممن لم يشهد هذا . . . « ومن جعل من الصوفية هذا الفناء غاية وقال : إنه يفنى عن شهود فعل الرب ، حتى لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة - فهذا غلط عند أئمة القوم . وأصحاب هذا الفناء يسمون هذا اصطلاما ومحوا وجمعا . وكان الجنيد ، رضي اللّه عنه ، لما رأى طائفة من أصحابه وصلوا إلى هذا ، امرهم بالفرق الثاني وهو ان يفرّقوا بين المأمور والمحظور وما يحبه اللّه وما يسخطه ، حتى يحبوا ما أحب ( اللّه ) ويبغضوا ما أبغضه . . . « ونفس ولاية اللّه مخالفة لعداوته . وأصل الولاية والعداوة الحب والبغض . فأولياء اللّه هم الذين يحبون ما أحب ، ويبغضون ما أبغض ؛ وأعداؤه ( هم ) الذين يبغضون ما يحب ، ويحبون ما يبغض . . . « فمن لم يشهد بقلبه الا خلقه الشامل ومشيئته العامة وربوبيته الشاملة لكل شيء لم يفرّق بين وليه وعدوه ، ولم تتميّز عنده الفرائض والنوافل وغيرها . . . « فالناظر إلى القدر فقط ، لا يفرّق بين مأمور ومحظور ، سواء كان فرضا أو نقلا . وهو مع هذا ، لا بدّ لنفسه ان تميل إلى شيء وتنفر عن شيء : فان خلوّ الحرّ عن الإرادة مطلقا محال . فإن لم يحب ما يحبه اللّه ويبغض ما يبغضه - أحب ما تحبه نفسه وأبغض ما تبغضه نفسه . فيخرج عن الفرق الإلهي النبوي - الذي هو حقيقة لا اله الا اللّه ، وحقيقة دين الاسلام - إلى الفرق النفساني الشيطاني . . .